share this article

بياع في الشارع بدرجة وزير اقتصاد
مين كان يعرف إن تمشية صباحية في يوم مشمس في مدينة بوخارا النيبالية ممكن تأثر فيا بالشكل ده؟ بنتمشى في الشوارع وصاحبي قرر يسأل على ثمن آلة موسيقية – وعاء الموسيقى – عند بياع من اللي قاعدين ع النواصي، مع إنه كان جاب واحدة بس حجم مختلف وكان عايز يجيب واحدة كبيرة. طبعًا مفيش فرصة أكتر من كده للمصري يستعمل موهبته في الفصال، وكل حاجة في نيبال أصلًا بتمشي كده. بعد صولات وجولات لمدة 10 دقائق، صاحبي قرر مايشتريش، وقال للبياع في الآخر معرفش نكاية فيه ولا إيه إنه جاب "وعاء موسيقى" كده كده. حطيت إيدي على وشي وتوقعت الرجل هيسب لصاحبي شجرة عائلته كلها بلغته طبعًا، بس الغريب واللي فاجئنا احنا الإتنين إن الرجل قالنا مش مهم، طالما جبتوها من هنا والفلوس داخلة البلد، ده هيساعدنا كلنا!
تعالى نعيد تحليل المشهد أكنك بتتفرج على الاستديو التحليلي لأستاذ مدحت شلبي، بياع من بياعين الشوارع في دولة فقيرة من العالم التالت، من اللي بنقول عليهم في الجرايد "الباعة الجائلين"، أولا مُدرك أهمية حركة البيع والشراء على اقتصاد بلده وأهميتها في تحسين الوضع على المجتمع ككل، ثانيا قادر يقدم مصلحة المجتمع على مصلحته الشخصية بعد فصال وحرقة دم، ثالثا قادر إنه كمان يقدم موقف إيجابي يغير في تفكير اتنين سياح ممكن ما يشوفهمش تاني في حياته، كل ده كاجوال وهو واقف ع الناصية بيبيع آلة للناس في الشارع!

المشهد ده خلاني أفكر، ده مكانش اختلاف فكري بسيط عن اللي أنا متعود عليه، ده كان أسلوب تفكير مختلف تمامًا عن اللي بشوفه وبتعامل معاه بانتظام في بلدي، طبعا كلنا عارفين لو شيلنا البياع النيبالي وحطينا بداله بياع مصري القصة هتتطور ازاي.  فهل المكان هو اللي بيفرق في طريقة تفكير الناس كده؟ ولا الناس هي اللي بتشكل ثقافة المكان؟

فن الشحاتة
بعديها بكام يوم الصبح في نفس الرحلة، كنا واقفين مستنيين الباص، جه واحد قرب مننا وقعد رسم نقطة علي راسي أنا وصاحبي بطلاء بسيط كده، رمز ديني عندهم في نيبال وعلامة لحسن الحظ والتوفيق، وبعدها انحنى في احترام. اكتشفنا إنه شحات!!
طبعا بغض النظر عن إننا خلصنا من الشحاتين في مصر بس مش عاتقينا في نيبال حتى، لكن اللي أدهشنا هو السلام النفسي اللي يخليه يعمل حاجة زي كده، ويبقى متوقع إن الطبيعي إنك تتقبلها، لإنها إشارة طيبة وجميلة من إنسان لإنسان.
غصب عني فكرت كده لو شحات مسيحي جه رسم الصليب لمسلم في الشارع في بلد عربي عشان بيتمناله البركة أو التوفيق في يومه، أو العكس.. إيه اللي ممكن يحصل؟

معبد القرود في كاتماندو

بلد الأمن والأمان
نيبال بلد فقير بشكل كبير، وفيها كمية ديانات وعبادات ضخمة، مع ذلك، في شعور بالروحانية والسلام في كل حتة. في تسامح موجود بجد، مش نوعية الكلام اللي بتشوفه في فيلم لعادل إمام. هتلاقي معابد بوذية وضرائح هندوس في كل حتة –زي ما عندنا بيبنوا مسجد جنب أي كنيسة بتفتح بالظبط – والناس متقبلة بعض على اختلافتهم، عن قناعة. محستش ولا لحظة إني دخيل بسبب ديني أو كوني أجنبي، معتقداتي كانت ليا بس، ومفيش حد جه سألني عليهم لمجرد إني سائح.

حسيت بأمان في نيبال، بيت الضيوف اللي كنا فيه في بوخارا كان على جبل تقريبًا، ومحاط بجبال تانية. عشان تنزل منه بالليل بتنزل لمدة ربع ساعة في ضلمة كحل، ومعاكش مصدر نور غير الكشاف، وكمان بتتمشى نص ساعة على ما توصل للبلد. أول ما وصلنا فكرنا إنه مش هينفع ننزل البلد بالليل، عشان أكيد مش منطقي نتمشى 45 دقيقة في بلد غريب في الضلمة، بس بعد قررنا إننا مش مسافرين عشان نقعد في بيت الضيوف، ونزلنا. أول مرة اتحركنا بالليل، كان كل واحد فينا مسلح بطوبة وجاهز يطلق ساقيه للريح في أي لحظة. الدنيا كانت ضلمة فعلًا ومكانش في غيرنا في الشارع، ولا حتى أهل البلد. أول شخص طلع في طريقنا، بطبيعتنا المصرية الواثقة في الغير، كنا متأكدين إننا هنتسرق، محصلش. الناس اللي ظهرت بتعدي وتبتسملك ويسلموا ويكملوا. على تالت يوم في بوخارا، الخروج بالليل بقى أريح من مصر.

المنظر من رحلتنا صعودًا ونزولًا

تسامح ولطافة واحترام للاختيارات الشخصية، دي الجنة ولا إيه؟!
الناس هناك مش بس متسامحين ولطاف، دول كمان فاهمين يعني إيه تحترم حرية والمساحة والاختيارات الشخصية بتاعه غيرك. أول هوستيل قعدنا فيه في العاصمة، واحنا طالعين نحط شنطنا، لقينا على ترابيزة في الممر كذا واقي ذكري ومعاهم ملاحظة عن الجنس الآمن. في بلد فقير، مش متطور بأي شكل، ومتدين جدًا كمان، الناس كانت حرة تعمل اللي هي عايزاه، مش بس كده، دول كانوا بيشجعوا الناس تبقى على راحتها في بلدهم ويرتاحوا. بعد كده افتكرت في بلدي إن الستات مينفعش يقعدوا في فنادق لوحدهم تحت دواعي "أخلاقية"، ليه بلد أقل مننا تطور بكتير فيها احترام كبير كده لحريات الناس ومساحتهم الشخصية؟

مكانش بس نيبال وناسها اللي مفاجأة ليا هناك، ده حتى الأجانب والتعامل معاهم كان فهمني أكتر قد إيه الدنيا مختلفة عندنا. كنا بايتين في هوستيل مختلط أول مرة، في يوم كنت راجل الأوضة أجيب حاجة، فتحت الباب لقيت واحد بيتكلم مع واحدة وهي بتغير، طبعًا أنا اللي طلعت أجري وأنا باعتذر – مع إن الأوضة مشتركة – بس حسيت إني اخترقت خصوصيتها. لما رجعت الأوضة قالتلي وهي بتضحك إن عادي أكيد وإنا مكانتش قالعة يعني، يادوب بتغير البنطلون. كلامها كان منطقي، ليه هيبقى اخترقت خصوصيتها وهي بتغير أكتر من لو شاب في نفس الأوضة بيغير برضه؟ طب لو حصل نفس الكلام ده في مصر/ هل في بنت أصلًا ممكن تفكر تبات في أوضة مشتركة مع راجل مصري، بعد اللي بيشوفوه في الشارع، مش تغير حتى؟ الستات في نيبال كمان بتحركوا على موتوسيكلات، زي معظم الناس هناك، ومبتسمعش كلام من نوعية الستات مبتعرفش تسوق، ازاي بنت محترمة تركب عجلة/موتوسيكل، وباقي الكلام ده. تخيل كده لو ستات مصر ابتدوا كلهم يركبوا موتوسيكلات!
حاجة كمان شدتني هناك، وشوش الناس. الناس بترمي كلمة سلام نفسي يمين وشمال، ومع إن في حتت في مصر ممكن تحس فيها ده، بس بيبقى بسبب المكان وعمره ما هيبقى مدينة كبيرة. في نيبال، الناس بتشتغل كتير جدًا، ومش أغنياء وعندهم سُلطة، بس مع ذلك لو بصيت لحد فيهم هتلاقيه مرضي. الناس هناك عندها قناعة بشكل كبير ورضا باللي هم فيها، والكام يوم اللي قضيتهم هناك حسيت أنا كمان بالرضا والقناعة دول. يمكن عشان أول مرة أسافر بره، أو عشان إجازة طويلة من الشغل، بس شخصيًا، بحب أفتكر إن حسيت بكده عشان الناس والمكان مش أي حاجة تاني.

كلب شارع في بيت الضيوف بتاعنا في بوخارا

السفر بيغير حاجات كتير جدًا فيك، وهتلاقي نفسك بتكتشف حاجات كتير عن نفسك وعن العالم بره قوقعتك. ممكن تكتشف علامة الصليب المعقوف في بلد آسيوي زي ما حصلي، ولسه قبل ما تتعصب وتتهمهم بالنازية، حد يشرحلك إن دي رمز ديني مقدس وروحي في الهند والديانات الشرق آسيوية. هتقابل ناس في السفر هيفرقوا معاك وهتفتكرهم سنين بعدها، حتى لو متقابلتوش تاني. هتروح أماكن جديدة وتقابل ناس مختلفة عنك، ودي هيخليك بني آدم أفضل، بكتير.