share this article

أنطوان نجار مش شخص سهل تتعامل معاه لو إنت عدمي بائس وعم ضياء في نفسك، ويا سلام لو زي حالاتي مبتحبش الناس بتوع المورنينج تيكست وصباح الخير يا مصر اللي تلاقيهم عالصبح مبتسمين ومشرقين كده وإنت بتفكر هتموّت مين عشان قال لك صباح الخير قبل ما تشرب قهوتك. على الرغم من كل ده، غصب عنك هتحبه! أنطوان بيخش المكتب الصبح وهو بيضحك من نفسه، بيسلم على كل واحد في المكتب ب "صباح الخير" اللي بينغمها وبتلاقي حتى أكتر حد رزين في المكتب بيرد السلام بنفس النغمة، وأنا شخصيًا اللي مبحبش الناس المنشكحة دي غصب عني بابتسم الصبح لما ييجي يسلم عليا وبروّق كده للحظة.

وكأن كونه بينشر البهجة حواليه مش كفاية، أنطوان قرر يتمشى من القاهرة لبلطيم - حوالي 200 كيلومتر على مدار 8 أيام - لسبب مهم جدًا، هو معملهاش كرياضة ولا عشان فاضي أو دعوة لنشر "السلام العالمي في جزر لانجرهانز"، أنطوان اتمشى من القاهرة لبلطيم في العيد، كان عايز يطلع من الفقاعة اللي عايش فيها، اللي مش مخلياه عارف الناس بره دوايره عايشين ازاي وإيه مشاكلهم.

احنا اتولدنا في مستوى إجتماعي معين ومنعرفش حاجة بره المستوى ده 

أنطوان بيحكيلنا عن الهدف من رحلته وبيقول "الهدف من الرحلة كان إني أطلع من الفقاعة الإجتماعية اللي أنا فيها، احنا اتولدنا في مستوى إجتماعي معين ومنعرفش حاجة بره المستوى ده. كنت عايز ابتدي اسمع واقعد مع الناس من كل طوائف المجتمع وأشوف مشاكل الناس ولو في حاجة أقدر اعملها هعملها، المشي بالنسبة لي كان وسيلة مش هدف. في مشاكل سمعتها من ناس في الطريق ودلوقتي بحاول أحلها."

أنطوان في بداية رحلته (المصدر: أنطوان نجار)

طبيعة بشر كتير إنهم يفترضوا الأسوأ دايمًا في الناس، وأوقات كتير الشخص الساخر/المتشائم اللي جوانا بيقولك متثقش في ده، ومتأمنش لده. ده جزء كبير من البؤس اللي في العالم، متخيل بقى لو شاب مسيحي - في بلد مش معروف أوي بتقَّبلُه لكل من ليس ذكر مُسلم سُني، بغض النظر عن اللي بتشوفه في الأفلام – قرر يعمل رحلة زي اللي أنطوان عملها وهو مخوّن كل الناس؟ وتخيل لو الناس اللي فتحوا له بيوته كانوا بيفكروا بنفس الطريقة، كان زمانه بات في الشارع ال8 أيام، أو مكتوب عنه خبر في صفحة الحوادث (٢٠ كلمة) جريمة مقيدة ضد مجهول.

أنطوان مكنش مخطط لأي حاجة في رحلته، ولا هينام فين ولا هيعمل إيه ولا هياكل ازاي، يادوبك محدد نقطة البداية ونقطة النهاية ومعاه خيمته، وده خلاها رحلة كلها أكشن. أنطوان كان بياخدها يوم بيوم، وكيلو بكيلو، وبيشوف طريقه هياخده فين، وطريقه خده حتت غريبة وقابل ناس كتير فتحوا له بيوتهم وشاركوا لقمتهم البسيطة معه. اعتماد أنطوان على كرم وطيبة وجدعنة الناس كان في محله طول ال8 أيام.

في واحد خد موبايله ونزله دعاء بصوته عشان يحفظه في الطريق 

"في يوم في قرية اسمها سنديون كنت فرشت خيمتي خلاص في حتة فاضية وكنت جعان، فرحت أسأل على حتة أشتري منها حاجة أكلها، سألت راجل قاعد هو ومراته أجيب أكل منين، قال لي "إنت جعان يا إبني؟" قلتله آه عايز أجيب حاجة آكلها يعني، قالي اتفضل اقعد معانا ودخل جوه جابلي بامية ورز ولحمة وجلاش وبعدها جابلي تفاح وترمس عشان أحلي! بعد ما حكيتله قصتي سألني نايم فين ولما وريته الخيمة، عرض عليا أنام في مخزن تبعه جواه حمام وكولدير مياه ساقعة. والصبح جابلي فطار كمان!"

عم دسوقي اللي أنطوان قابله في بداية رحلته وعمل كل ده، ما اكتفاش بده، لسه لحد النهاردة بيكلمه يطمن عليه من وقت للتاني. لو كتبت عن كل الناس اللي عاملوا أنطوان زي ما يكون من عائلتهم طول رحلته، هنحتاج مقالين كمان، زي عم محمد اللي شافه فارد ظهره على دكة في الشارع قام مطلّعه يستحمى في بيته وينام على سرير – لأول مرة في رحلته بعد 4 أيام - وكمان خد موبايله ونزلّه دعاء بصوته عشان يحفظه على الطريق، ده غير الراجل الغلبان اللي عرض يديله فلوس في الطريق هو نفسه محتاجها، وناس تانية كتير.

"وأنا عالطريق برضه قابلت راجل ماشي بعربية كارو بيجرها حصان، وماشي يلم الزبالة، راجل غلبان خالص وهدومة مقطعة.. اتعرفت عليه، وقفلي وقعد يقول لي محتاج حاجة؟ طب محتاج فلوس؟" أنطوان بيقولنا وهو بيضحك و لسه مش مصدق إن راجل في حالته فعلًا عرض يساعده ويديله فلوس.

مهما كنت فاقد الأمل في البشرية – زي اللي كاتب المقال ده، لما تسمع قصص الناس الغلابة اللي اللي مليانة عطاء وكرم بالشكل ده، في حتة صغيرة من إيمانك بالبشر والخير اللي فيهم بترجع، ولو لحظيًا.

أنطوان وهو بياكل مع عائلة في بلطيم (المصدر: أنطوان نجار)

طريق أنطوان خده لمصنع طوب في قرية في الطريق وحراسه خلوه ينام في المسجد. غفر المسجد حكايتهم علقت مع أنطوان حتى بعد ما رجع  بكتير.

الراجل ده كان نفسه في تريسكل، كل أمنيته في الحياة تريسكل!" 

"واحد من الحراس طلب مني طلب، المشكلة هناك إن الشغل باليوميه، فاليوم اللي مش بيشتغل فيه مش هيعرف يأكل عياله، عشان كده كان شغال في العيد. الراجل ده كان نفسه في تريسكل، كل أمنيته في الحياة تريسكل!"

أنطوان لما رجع عرف يتكلم مع ناس يساعدوه، وعرفوا يجمعوا الفلوس، وجابوا للراجل التريسكل اللي نفسه فيه.

أنطوان بعد ما سلم التريسكل لعم حمدي

الحارس التاني برضه كان ليه قصة، أنطوان بيقولنا إن "عم أحمد" من أكتر الناس المثقفة اللي قعد معاها في حياته!

"الراجل قعد يتكلم معايا عن العلاقات الأمريكية وإيران وأخر اجتماع للG7 وإن دونالد ترامب كان معترض وبيقول إن مفيش مشكلة بيئة، واتكلمنا عن مشاكل التعليم وكل حاجة. أنا حسيت إني جاهل وأنا قاعد مع الراجل ده، وهو شغال غفير في المصنع فدي كانت حاجة تخض."

المسيحيين على راسنا وعندنا صحاب مسيحيين وكل حاجة، بس إنتوا دينكم غلط! 

رحلة أنطوان مكانتش خالية من الضحك، وهو ماشي اتعرف على شاب عزمه يشرب حاجة في بيته، ولما أنطوان قعد معاهم، حب يعرف منهم إيه المشاكل اللي بتواجههم.

"قاعد مع العائلة بنشرب شاي فبسألهم إيه مشاكل القرية؟ قالولي إحنا المشاكل، أصل إحنا بلطجية القرية" أنطوان بيقولنا وهو بيضحك، بس أنطوان مصمم إنهم كانوا كويسين وضايفوه وكانوا بيكلموه يتطمنوا عليه طول الطريق واتصوروا معاه كمان.

مكنش سهل لأنطوان كشاب مسيحي يتمشى في الريف المصري، قابل اللي حاولوا يقنعوه بدين تاني وقابل اللي شايفين دينه غلط "المسيحيين على راسنا والله وعندنا صحاب مسيحيين وكل حاجة، بس إنتوا دينكم غلط!" أنطوان بيقول لنا وهو بيضحك إن ده كان انطباع ناس قابلهم و كانوا أول مرة يتعاملوا مع مسيحيين أصلًا، هو اتعامل مع كل ده بإنه كان بيسمع للناس وبيحاول يفهمهم إن أهم حاجة المعاملة وإن الناس كلها تحب بعض، مش الطريقة اللي بنعبد بيها ربنا اللي مهمة..والغريب إن الناس اللي قالوا له الكلام اللي فوق ده حبوه جدًا واتصوروا معاه قبل ما يمشي.

لو كل واحد شارك اللي عنده مع غيره، العالم هيبقى مكان أحسن بكتير 

سهل اوي الواحد يسيب نفسه للبؤس اللي في كل حتة، أصل مش هنضحك على بعض العالم مكان بائس فشخ – وده لو إنت سويدي مثلًا، ما بالك وإنت مصري- بس في ناس عارفة إنك مش هتعرف تغير ده، اللي تقدر عليه هو small acts of kindness ومحاولة إنك تخلي العالم مكان أحسن ولو في الدايرة البسيطة اللي حواليك، وده اللي أنطوان كان عنده استعداد يعمله – وعمله – ولو على حساب زعل أهله، اللي كانوا هيطردوه من البيت عشان فكرة رحلته دي، لإنه شايف إن كونه اتولد بإمتيازات كتير ده بيخلي عليه التزام يخلي العالم مكان أفضل.

أنطوان بيقول لنا "محدش فينا اختار أهله أو عيلته أو الناس اللي حواليه أو تعليمه، دي امتيازات واخدينها ببلاش، وأنا مقتنع إننا المفروض نشارك النِعم دي مع بعض. مش عدل إن الحياة فيها ناس مولودة وعايشة كويس وناس عايشة وحش، وأنا شايف لو كل واحد شارك اللي عنده مع غيره، العالم هيبقى مكان أحسن بكتير."