share this article


"قريت مقولة إن البلدان زي الإنسان ، لكل بلد عمر!
لو اعتبرناها حقيقة، يبقى بغداد زي تيته بالضبط ..كبرت وتشوهت ملامحها بس جمالها في ماضيها وأصلها .. زي تيته، مستغربة المولات الجديدة اللي عماله تتبني ، مبتفهمش في التكنولوجيا ومش راضيه عن الموضة اللي انتشرت ، وزي تيته عارفه إن نهاية مرحلة من عمرها قربت وفي حقبة جديدة داخله عليها.

تيته مش شبه باقي الأجداد حول العالم ، كانت معيشانا بقواعد صارمة ، زي إنها بتقطع المشاهد الخارجه وتعرضلنا برامج توافق ذوقها وتقفل علينا التلفزيون من ٩ بالليل ، مكانتش ترضى تجيبلنا موبايل فكنا بنضطر ناخد التليفون أبو سلك طويل معانا الأوضة عشان نعمل مكالمة خصوصية ، مانعه عننا النت ومش مدياه غير لابنها الكبير اللي شغال في الحكومة .. مع ذلك كنا مبسوطين ، كنا بنشوفها محاوطه علينا في فقاعة بعيد عن بلاوي الدنيا .

 بغداد زي تيته بالضبط ..كبرت وتشوهت ملامحها بس جمالها في ماضيها وأصلها 

بعد الحرب اتغربت عنها ، ولمدة ١٢ سنة كل ما حد يعرف إني عراقية، يتقالي :"ربنا يرحم صدام ويصلح حالكم" وبعدها يبدأ النقاش المتوقع ، أوله يكون عن "البلد دلوقتي عامل ايه؟ " وآخره "انتي بتقولي البلد حلوة ازاي؟ مش في نُقر في الشارع ؟ ومباني محروقة وأكوام زبالة؟" أيوه فيه، بس اللي متعرفوهوش إن الدبابات الأمريكية هي الي عملت النُقر فالشارع ودلوقتي مبقناش نشوفهم ، فده انتصار ! المباني اللي اتحرقت وقت المفخخات والقصف اللي مبقيناش نسمعه ، ده انتصار! أكوام الزبالة دي أغلفة البضائع المستوردة الي دخلت على البلد بعد حصار اقتصادي دام لمدة ١٣ سنه، ده انتصار!


المصدر: زياد متي

أكيد شايفه الخراب.. بس شايفاه بقلبي.. وشايفه تيته نفسها طويل. لسه عم أبو احمد بيفتح دكانته الصغيرة المكركبة اللي بيتلم عليها العيال عشان يجيبوا آيس كريم ، أبو أحمد بيضحكلهم مع إن ابنه بقاله ٧ شهور بيحارب في "الرمادي" وخايف ميرجعش، دقت البقلاوة العراقية من "حلويات الخاصكي" لقيتها أحلى من زمان، والمحل بتاعهم بقى ليه فرع تاني بعد ما فجروا القديم. بقيت اتوه وأنا رايحه لبيت خالتي عشان رجعوا فتحوا الفروع الداخلية للمناطق بعد ماكانت مقفوله بخرسانات مسلحة، تصدقوا نفس المركب اللي كان بينتشل الجثث مجهولة الهوية من النهر امبارح كان بيلففني دجلة عشان اشوف منبع أعظم حضارات البشرية، هي دي الخطوات الصغيرة للسلم، متستنوش قيام دولة في يوم وليلة!

أكيد شايفه الخراب.. بس شايفاه بقلبي.. وشايفه تيته نفسها طويل.

السفر بيعلمك إن كل شعب فيه الكويس وفيه الوحش، بس النفوس بتتغير بعد الحرب، الناس بتفقد الثقة ببعض عمومًا وفي الأغراب خصوصًا ، والخوف لما يجتمع مع الجهل بالآخر بيقلب لكراهية عمياء ميجيش من وراها خير، مع ذلك بغداد مليانه خير!
الإماراتيين مثلا ليهم حق يفخروا بالحدائق الصناعية اللي عملوها بس أنا فخورة أكتر بالنخل العراقي اللي قاوم كل الظروف المناخية، ولسه بيطرح أحلى تمر، لما كنت اطلب وجبه في اليابان يدولي معاها كبايه ميه، ولما اعوز تاني اتحاسب عليها، في بغداد المطاعم الشهيرة بتنزل مع الوجبه طقم مقبلات ومشروبات من غير ماتدفع مليم!

 السفر بيعلمك إن كل شعب فيه الكويس وفيه الوحش، بس النفوس بتتغير بعد الحرب، الخوف لما يجتمع مع الجهل بالآخر بيقلب لكراهية عمياء 

في تركيا أصحاب الأعمال الحرة كانوا بيرفضوا إني أصورهم ، لما تروح سوق "الصفافير" المشهور بالصناعات النحاسية صاحب المحل هيعزمك على شاي ويخليك تصوره وهو بيشتغل، عشان تحكي للعالم عن حرفته اللي قربت تندثر و هو خايف عليها .

المايسترو العالمي كريم وصفي أمام مسجد النوري في الموصل بعد سنة من دماره في الحرب (المصدر: Arabianbusiness)

لما تتمشى جمب "ساعه القشلة" اللي أصغر من بيغ بين لندن ب١٠ سنوات بس، هتلاقي الشباب عاملين في نفسهم اشكال والوان وخارجين بمنتهى الثقة. بعدها اخرج من ميدان الساعه تلاقي شارع المتنبي ، الي بيقعد فيه الاحرار والفنانين ، تسمع قصيده شجب موجهه ضد الحكومة من شاعر، واغنيه حب من فنان صاعد ، تشوف كتب اتلمت من مكتبات اهلها تركوها وهاجروا أو مكتبات بيعت بكاملها مقابل لقمة بس الكتب غاليه ولاقيه اللي يشتريها، آخر الشارع ينتصب تمثال أبو الطيب المتنبي، بيطل على الجهه الشرقيه لدجلة، رافع راسه وإيديه للسما في وضع الإلقاء ولسان حاله بيقول :"يا روح دجلة للأرواح مالكةٌ... تبكي عليك عيونٌ قلّ ما تنم.ِ"


ساعة القشلة (المصدر: Taisir Mahdi)

بعد ما تعدي من جنبه، اشتري السميط العراقي عشان تأكله للنوارس، عدي على "قهوة الشهبندر" هاتلك "استكان" شاي تضبط المزاج، بعدها بص قدامك على النهر، ارجع بالزمن شوية، أقدم وأقوى حضارات العالم حضارة ميسوپوتاميا (بلاد مابين النهرين) قامت عليه، تسأل نفسك : فينها دلوقتي؟ الجواب بسيط، اللي يقرا التاريخ مش هيدخل اليأس قلبه عشان عارف إن الزمن بيكرر نفسه، وزي ما انهارت أقوى الحضارات، قامت غيرها!


 المصدر: زياد متي

دي مش دعوة لإنك تجيب شنطتك وتيجي، بالعكس أنا شايفه إن البلد لا يصلح للسياحة في الوقت الحالي عشان لسه مفيهوش مؤسسات قانونية فعاله تحمي المواطن والسائح، دي دعوة لإنك تبطل تشوف العالم من منظار البروباجندا والإعلام، دعوة لإنك تدور على الجمال وسط الخراب .

 اللي يقرا التاريخ مش هيدخل اليأس قلبه عشان عارف إن الزمن بيكرر نفسه، وزي ما انهارت أقوى الحضارات، قامت غيرها 

عايزه اختم بطلب، تعالى نعمل اتفاق؟ كل مرة تقرأ الأخبار عن حاجات وحشة بتحصل في مكان معين خد اسم المكان، افتح جوجل، دور عليه واتفرج على الصور، ادي فرصه انه يتسجل في مخك بحياديه، عايز تاخذ خطوه كمان من غير ما تتحرك من بيتك ؟ افتح الفيسبوك ودور على أي حد من سكان المكان ده ، ابعتله رساله اطلب فيها يقولك حاجه واحده بيحبها عنه وشوف مشاعرك هتتغير ازاي . '

 المصدر: زياد متي

"ربما لا يقضي السفر على التعصب، لكنه يبين إن كل الشعوب تبكي وتضحك وتأكل وتموت، ويُظهر أننا لو حاولنا فهم الآخرين لربما نصبح أصدقاء ـ مايا أنجيلو"